الشريف الرضي

260

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

بجهاده طلب نعيم الآخرة لم يزل مقدما على الأعداء ، صابرا على اللاواء ، ومن كان مراده الغنيمة العاجلة ضعف صبره ، ولم يؤمن فشله ، وكان ثباته قليلا ، فشله مدخولا . 3 - وقال أبو القاسم البلخي : يجوز أن يكون ذلك خالصا في المنافقين يوم أحد ، فخبر سبحانه أنه ينيلهم بعض ما يريدونه من عرض الدنيا ، امتحانا لهم لا رضا عنهم ، ومما يقوي أن ذلك مخصوص أنا نرى كثيرا من الكفار يريدون عرض الدنيا ، ولا ينالونه ، ويريدون منها الكثير فينالون القليل ، فدل ذلك على كونه مخصوصا . ويحتمل أيضا - لما قال سبحانه : ( نؤته منها ) ، ولم يقل نؤته إياها - أن يكون المراد بذلك إيتاء القليل والبعض ، لا إيتاء الكثير والكل ، لان ( من ) للتبعيض ههنا ، وقل أحد إلا وقد أوتي من منافع الدنيا شيئا : كثر أو قل ، ودق أو جل . وليس لقائل أن يقول : ( فقد قال سبحانه : ( ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها ) ، وهذا أيضا يلزمكم أن يكون المؤتى قليلا ) ، لان ( من ) إذا كانت ههنا للتبعيض ، فهي دالة على الاعطاء من الجنس المذكور ، ويحتمل ذلك الكثرة والقلة ، فيتميز ذلك باستحقاق المعطى ، فإن كان عمله جزيلا كان ثوابه جزيلا ، وإن كان قليلا كان قليلا ، وعلى أنه لا بد من ذكر ( من ) ههنا للدلالة على التبعيض ، لأنه سبحانه على الحقيقة يعطي كل عامل على قدر عمله من ثواب الآخرة ، ولو لم يقل ( نؤته منها ) وقال : نؤته إياها ، لا وهم أنه يؤتي من يريد